هندسة الفوضى والتفكيك الممنهج استراتيجية إيران في الوطن العربي

{title}
أخبار دقيقة -


جمهورية إيران الفارسية الصفوية إلا أن تكون آلة التدمير الشاملة للوطن العربي، وهي عدو العرب والمسلمين منذ فجر التاريخ، فمنذ عهد النبوة الأولى نزلت سورة الروم التي تشير إلى أن المؤمنين يفرحون بنصر الروم على الفرس.

 

لن نعود ألف عام بل لنتقل مباشرة إلى (100) عام سبقتنا فقط في العصر الحديث، حيث لم تعد إيران خلال هذا القرن مجرد دولة في المنطقة، بل صارت آلة تدمير ممنهج ومشروع فوضى عابر للحدود تهدد معظم الدول العربية، ودول الخليج العربي دون استثناء. ولم تسلم أي دولة من تدخلاتها وأفعالها التخريبية المنظّمة.

 

وسوف ترصد هذه المقالة جانبًا من فصول الصراع والعبث الإيراني في الوطن العربي، والتي لا يمكن اختزالها في ثنائية "الصديق والعدو" التبسيطية، بل هي صراع نفوذٍ محتدم بين قوىً تتنازع الهيمنة على المنطقة، بينما يدفع العربُ كلفة هذا الاشتباك المفتوح والمستنزِف.

 

كانت البداية باحتلال إمارة "الأهواز" العربية (الإمارة الكعبية) عام 1925، واحتلال الجزر الإماراتية الثلاث: (طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسى) عام 1971. وفي عام 1996، حاولت احتلال البحرين، إلا أنها باءت بالفشل، وتكررت المحاولةُ عام 2010 مستفيدةً من خلاياها وأتباعها لإثارة الفوضى وتقويض السلم الأهلي، لكنها انكسرت مجدداً أمام اليقظة الوطنية. أما العراق، موطن الحضارات وبلد الرافدين، فقد شهد منذ عام 2004 توغلاً نفوذياً وصل حدَّ الارتهان الفعلي والشامل لإيران، وما زالت تعيث فسادًا هناك ضمن مشروع هيمنة متكامل.


تسعى إيران مباشرة لتوسيع نفوذها عبر حجج واهية حول وجود قواعد أجنبية في الدول العربية، وتقوم بقصف المنشآت المدنية والعسكرية في كل الدول العربية، ومنها بلدنا الأردن الذي ينتمي حكامه لآل البيت الأطهار، بينما تمتلك إيران قواعد وأتباعًا منقادين لها بطاعة عمياء في العراق وفي سوريا وفي لبنان وفي اليمن وفي جميع دول الخليج العربي، يأتمرون بأمرها دون استثناء. وها هي القوات الإسرائيلية تتقدم نحو الجنوب اللبناني وتحتل العديد من المدن والقرى، لأن القاعدة الإيرانية في جنوب لبنان تدافع عن مقتل خامئني، وليس عن لبنان.


لبنان، أرض الأرز التي كانت يومًا ما عنوانًا للحياة والانفتاح، تحوّل المشهد منذ عام 2006 إلى حالة اختطاف تدريجي للدولة، بعدما أصبح القرار الوطني مرتهنًا لما يمكن تسميته بـ"حزب إيران"، الذي فرض واقعًا موازياً صادر فيه سيادة المؤسسات وسخّر مقدرات البلاد لخدمة أجندة خارجية. ولم يكن الانفجار الكارثي الذي ضرب مرفأ بيروت في 4 آب 2020 إلا نتيجة مأساوية لمسار طويل من الفوضى والإهمال المنهجي، خلّف دمارًا هائلًا وجرحًا عميقًا في الوعي اللبناني. وتكشف الأرقام اليوم حجم الكارثة مع نزوح مئات الآلاف من أبناء الجنوب نحو بيروت والشمال، في انعكاس مباشر لسياسات التهور التي تديرها الأذرع المرتبطة بإيران، وسط مشهد يعكس دولة تُستنزف ومجتمعًا يُدفع نحو الانهيار.

 

واصلت إيران مشروعها التوسعي وأحكمت قبضتها على الجغرافيا السورية مستغلةً تآكل سلطة النظام؛ فعاثت في البلاد فساداً، منذ عام 2011، ووظفت أدوات عنفٍ محرمة دولياً ضد الحواضر والمدارس ودور العبادة، وصولاً إلى فاجعة "الغوطة" التي استُهدفت بالأسلحة الكيماوية المحرمة دوليًا. ومصانع الكبتاغون والمخدرات بأنواعها التي راح ضحيتها نتيجة إجرام المهربين الذين يحاولون إدخالها للأردن أو تصديرها عبره، حيث استشهد ثلة من خيرة أبنائنا في الأردن وهم يدافعون عن تراب وطنهم الطهور في مواجهة حرب مخدرات منظمة تقف خلفها شبكات مرتبطة بإيران.


بلاد العرب التي كانت سعيدة (اليمن)، أصبحت شريدة؛ ذلك البلد الذي تحول منذ عام 2014 إلى مسرح لتوغل إيراني مباشر، إذ وُظفت جماعة الحوثيين كأداةٍ وظيفية لتحقيق مآرب إقليمية، ضاربةً عرض الحائط بالشرعية الوطنية، وقد وصل عدد النازحين اليمنيين داخل وطنهم إلى ما يقرب من (6) ملايين نازح، فضلاً عن الذين فروا لاجئين خارج حدود اليمن، وهم منتشرون في مختلف دول العالم، ومنها الأردن، كنتيجة مباشرة لمشروع تفكيك الدولة.


أقدس مقدساتنا الإسلامية في بلاد الحرمين الشريفين، لم تسلم من شرورهم فقد صرّح قادة الفرس غير مرة وعلانيةً بأن استراتيجيتهم الإقليمية تتجاوز الحدود السياسية لتشمل -بزعمهم- تحرير المسجد الحرام والكعبة المشرفة والمسجد النبوي. ويستحضر التاريخ في هذا السياق اعتداء "القرامطة" المروع على الحرم المكي عام 930 ميلادية، حين استباحوا دماء الحجاج واقتلعوا الحجر الأسود من مكانه واحتفظوا به قرابة 22 عاماً قبل إعادته، في سابقة تاريخية دامغة على استهداف المقدسات.


تمضي إيران في توسيع نفوذها عبر ذرائع مكشوفة ومفبركة،كجزء من صلب مشروعها القائم على هندسة الفوضى والتفكيك الممنهج تتذرع فيها بوجود قواعد أجنبية في الدول العربية لتبرير عدوانها السافر. والحقيقة التي لا يمكن طمسها أن طهران لا ترى في المنطقة إلا ساحات مفتوحة للفوضى والتخريب، إذ مارست قصفًا ممنهجًا طال منشآت مدنية وعسكرية في أكثر من دولة عربية، في سلوك إجرامي يعكس استهتارًا فجًّا بسيادة الدول واستخفافًا بدماء الشعوب. ولم يسلم الأردن من هذا النهج العدواني، رغم مكانته الراسخة وخصوصيته التاريخية التي خطّها بدمه الملك المؤسس عبد الله الأول بن الحسين، الذي ارتقى شهيدًا على ثرى المسجد الأقصى، في دلالة عميقة على ارتباط هذا الوطن بقضايا أمته ومقدساته.


ومع ذلك، لم تتورع إيران عن المضي في مشروعها التخريبي، فأنشأت إمبراطورية من الأذرع والميليشيات التابعة لها في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وامتدت شبكاتها إلى دول الخليج العربي، حيث تتحرك هذه الأدوات ككيانات مسلوبة الإرادة، تنفذ الأوامر الإيرانية بطاعة عمياء، ولو كان الثمن تدمير الدول وتمزيق مجتمعاتها. ويكفي المشهد في جنوب لبنان شاهدًا صارخًا على هذا الانحراف، إذ يتقدم الاحتلال الإسرائيلي في ظل انشغال الذراع الإيرانية هناك بحماية مصالح طهران ورموزها، لا بالدفاع عن لبنان، في صورة فاضحة تكشف أن هذا المشروع لا ينتج إلا الخراب، ولا يخلّف إلا دولًا منهكة وشعوبًا ممزقة.


وليس ما يجري في لبنان إلا النموذج الأشد فجاجة لانكشاف هذا المشروع؛ إذ تتجلى صورة الانحدار الكامل عندما تتقدم القوات الإسرائيلية في الجنوب، في وقت تنشغل فيه الذراع الإيرانية هناك بحماية حسابات طهران ورموزها، لا بالدفاع عن الأرض اللبنانية أو شعبها. وفي ذروة هذا الانفصال الصارخ عن الواقع الوطني، يواصل رموز هذا النفوذ تحدي الدولة والاستخفاف بسيادتها، في سلوك يعكس انغماسًا كاملًا في مشروع خارجي لا يرى في لبنان وطنًا، بل مجرد ساحة صراع قابلة للاستهلاك. وهنا تنكشف الحقيقة العارية: أن هذا المشروع لا يحمي الدول، بل يفرغها من مضمونها، ولا يصون الشعوب، بل يدفعها نحو التمزق والانهيار.


إن هذه الشواهد التاريخية لعداء إيران الصفوية، التي لا تتورع عن استهداف أقدس المقدسات العربية والإسلامية، متخذةً من الأيديولوجيا غطاءً لتوسيع رقعة السيطرة، تشكل نذيراً لكل من يحاول التهوين من التهديدات الإيرانية، أو الانجراف خلف شعاراتها، غافلاً عن الجوهر العقدي والسياسي لأهدافها الإقليمية. لذلك نجزم بالقول إن إيران لم تعد دولة جارة في المنطقة، بل هي مشروع تخريب استراتيجي وآلة دمار شامل تهدد كل الدول العربية دون استثناء.

 

الدكتور علي منعم القضاة
أستاذ مشارك في الصحافة والإعلام الرقمي
تصميم و تطوير