الجزائر تعزز موقعها في سوق الطاقة العالمي وسط طلب متزايد

{title}
أخبار دقيقة -

تعود الجزائر بقوة إلى صدارة أسواق الطاقة العالمية، في ظل التوترات الجيوسياسية المستمرة والاضطرابات التي تشهدها إمدادات الطاقة. وأضافت هذه التطورات أعباءً إضافية على حركة النفط والغاز على مستوى العالم.

وفي هذا السياق، تتجه العديد من الدول نحو البحث عن بدائل أكثر استقرارًا، مما يجعل الجزائر خيارًا جذابًا، مدعومة بتحركات دبلوماسية نشطة. أوضحت رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجا ميلوني، خلال زيارتها للجزائر، رغبة بلادها في تعزيز التعاون وزيادة إمدادات الغاز وتوسيع الشراكة في قطاع الطاقة. كما زار وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، الجزائر، وسط حديث عن محادثات لتوسيع إمدادات الغاز الطبيعي عبر خط أنابيب "ميدغاز" بنسبة تصل إلى 10%. وتشمل هذه التحركات أيضًا مساعي برتغالية لتعزيز التعاون، مع تقارير عن إمكانية زيارة الرئيس أنطونيو خوسيه سيغورو للجزائر قريبًا.

ولم يقتصر الاهتمام بالجزائر على الدول الأوروبية، بل امتد ليشمل شركاء من خارج القارة. فقد ذكرت وسائل إعلام في فيتنام أن رئيس الوزراء فام مينه تشينه أجرى اتصالًا هاتفيًا مع نظيره الجزائري سيفي غريب الشهر الماضي، لبحث سبل دعم الجزائر لأمن الطاقة في فيتنام، خاصة في مجالي النفط والغاز الطبيعي.

وكشفت بيانات وحدة أبحاث الطاقة عن استمرار ارتفاع صادرات الغاز الطبيعي المسال الجزائري، حيث زادت في مارس بنسبة 41% على أساس شهري، لتصل إلى 938 ألف طن، مقارنة بنحو 667 ألف طن في فبراير الماضي. وتوزعت الشحنات الجزائرية الشهر الماضي على ست دول رئيسية، تصدرتها فرنسا بحجم استيراد بلغ 347 ألف طن، متجاوزة تركيا التي استوردت 337 ألف طن، فيما استوردت المملكة المتحدة 76 ألف طن، وإسبانيا 74 ألف طن، وكرواتيا 71.5 ألف طن، وإيطاليا 33 ألف طن.

ويرى الخبير الاقتصادي أحمد الحيدوسي أن تزايد الطلب على الغاز الجزائري يعكس عودة البلاد إلى موقعها التقليدي في السوق الأوروبية، في ظل اضطرابات الإمدادات العالمية وتصاعد التوترات الجيوسياسية. ويشير الحيدوسي إلى أن التطورات في الشرق الأوسط تدفع الجزائر، وشركة سوناطراك على وجه الخصوص، إلى استعادة حصتها في السوق الدولية، ولا سيما الأوروبية، التي كانت دائمًا محورًا رئيسيًا للصادرات الجزائرية.

ويؤكد أن هذا الإقبال لا يمثل تحولًا استراتيجيًا بقدر ما هو عودة إلى وضع تاريخي كانت تحتله الجزائر قبل عقود، حين كانت تملك حصة كبيرة في السوق الأوروبية، مستفيدة من شبكة علاقات وعقود طويلة الأمد مع دول مثل إيطاليا وإسبانيا. ويضيف أن الاستقرار السياسي والتشريعي، والموثوقية في الالتزامات التعاقدية، والقرب الجغرافي من الأسواق الأوروبية، والبنية التحتية المتطورة التي تشمل خطوط الأنابيب ومحطات الغاز المسال، كلها عوامل تعزز جاذبية الجزائر كمورد للطاقة، خاصة في ظل تنوع طرق التصدير بين الغاز الطبيعي والغاز المسال، مما يمنحها مرونة أكبر في تلبية الطلب العالمي.

من جهته، يرى المستشار الدولي في التنمية الاقتصادية عبد الرحمن هادف أن ما تشهده الأسواق الدولية للنفط والغاز يعكس عملية إعادة تشكيل للخارطة الطاقوية العالمية، مدفوعة بالاضطرابات الجيوسياسية. ويؤكد هادف أن الجزائر أعادت التموضع ضمن هذه الخارطة من خلال رفع قدراتها الإنتاجية وتسريع وتيرة الاستثمارات في قطاعي النفط والغاز، سواء في الإنتاج أو الاستكشاف.

ويشير إلى أن الطلب لم يعد محصورًا في أوروبا، بل امتد ليشمل أسواقًا آسيوية، مثل كوريا الجنوبية والصين، التي باتت تنظر إلى الجزائر كمورد موثوق للغاز الطبيعي المسال. ويعزز هذا التوجه امتلاك الجزائر بنية تحتية متكاملة تجمع بين نقل الغاز عبر الأنابيب نحو أوروبا وتصديره في شكل غاز مسال، مما يمنحها مرونة تشغيلية أعلى وقدرة أكبر على الاستجابة لتحولات الطلب العالمي.

ويشير إلى أن الارتفاع اللافت في صادرات الغاز المسال في مارس، والذي تجاوز 40% واقترب من 900 ألف طن، يعكس قدرة الجزائر على استثمار الظرف الدولي ورفع وتيرة الإمدادات، مستفيدة من جاهزية منشآتها الطاقوية.

ويؤكد أستاذ الاقتصاد فارس هباش أن الجزائر تظل شريكًا استراتيجيًا وموثوقًا في مجال الطاقة، مع قدرة تصديرية سنوية تفوق 40 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، وتسعى إلى رفع إنتاجها من 132 مليار متر مكعب حاليًا إلى 200 مليار متر مكعب بحلول عام 2027. ويشير هباش إلى أن هذا التوجه يأتي في إطار برامج استكشاف واستثمار طموحة، مدعومة بغلاف مالي يتجاوز 50 مليار دولار في السنوات الخمس المقبلة، بهدف تعزيز القدرة الإنتاجية ومواكبة الطلب المتزايد، خاصة من الأسواق الأوروبية الرئيسية.

ويضيف أن الجزائر تراهن على توسيع قاعدة زبائنها لتشمل أسواقًا جديدة خارج الدائرة التقليدية، في ظل تزايد الطلب العالمي على مصادر طاقة مستقرة وبديلة. ويقول هباش إنه رغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإن هناك تحديات حقيقية، في مقدمتها قدرة الجزائر على تلبية الطلب المتزايد على المدى القصير، في ظل ضغط مزدوج ناجم عن ارتفاع الطلب الخارجي وتزايد الاستهلاك الداخلي.

ويؤكد أن الجزائر تملك من حيث الإمكانات والبرامج الاستثمارية ما يؤهلها لتلبية الطلب العالمي على المدى المتوسط والبعيد، غير أن الاستجابة الفورية تظل محدودة نسبيًا، مما يجعل إدارة هذه المرحلة تتطلب توازنًا دقيقًا بين الالتزامات التصديرية وضمان الأمن الطاقوي الداخلي.

ومن جهته، أشار الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي إلى أن الطفرة في الطلب الدولي على الغاز ستنعكس مباشرة على تدفقات العملة الصعبة، مع احتمال وصول احتياطي الصرف إلى أكثر من 70 مليار دولار، مما يعزز من قيمة الدينار. ويحذر تيغرسي من الاكتفاء بزيادة الكميات المصدرة دون تنفيذ استثمارات هيكلية، معتبرًا أن استدامة المكاسب تظل رهينة بقدرة الجزائر على إعادة توظيف العائدات في تطوير قطاع الطاقة.

وفي ما يتعلق باستراتيجية التسويق، يشير إلى ضرورة تحقيق توازن بين السوق الفورية والعقود طويلة الأجل، موضحًا أن تخصيص ما بين 60% و70% من الصادرات لعقود طويلة مع شركاء مثل إيطاليا وإسبانيا وفرنسا، مقابل 30% إلى 40% للسوق الفورية، يتيح الجمع بين الاستقرار المالي والاستفادة من تقلبات الأسعار.

ويخلص إلى أن الطلب الحالي يمثل "نافذة ذهبية" للجزائر، غير أن استثمارها بنجاح يظل مرهونًا بقدرة البلاد على توظيف العائدات بكفاءة وتسريع وتيرة الاستثمار وتعزيز موقعها بصفتها موردًا موثوقًا في خريطة الطاقة العالمية.

تصميم و تطوير